Content on this page requires a newer version of Adobe Flash Player.

Get Adobe Flash player

العسر التعلمي: تعريفه واسبابه


 

          مقدّمة:

 

 

·        يُعتبر موضوع العسر التعلّميّ من المواضيع غير المطروقة وغير المعروفة بشكل كافٍ في الوسط العربيّ بشكل عامّ.

فالمحاولات التي ظهرت - حتى الآن - لإبراز هذا الموضوع؛ من خلال طرحه على طاولة البحث اليوميّ ودراسته وإعطاء الأجوبة الشافية لإشكالاته، كانت متواضعة جدًّا، إن لم تكن معدومة، أصلاً؛ حيث لا يزال الاهتمام مُنصَبًّا على أشكال الصعوبات والإعاقات الأخرى التي تنعكس على عملية التعلّم بشكل مباشر، مثل التخلّف العقليّ أو الإعاقات الجسدية (البصرية، السمعية، والحركية).

وفي هذه السلسلة من المقالات ننوي أن نقدّم للجمهور الواسع - من مهْنيّين وغير مهْنيّين - خبرة سنوات عملنا في موضوع العسر التعلّميّ في أُطر مختلفة، تركّزت، أخيرًا، في "الرازي" الذي وضع نُصب عينيه - بالإضافة إلى تشخيص، فحص، وعلاج إشكالات العسر التعلّميّ المختلفة - هدف نشر وتطوير هذا المجال من ناحية التوعية الجماهيرية، بالإضافة إلى تطوير فحوصات وأساليب عمل تلائم الطفل العربيّ.

وفي سلسلة المقالات هذه سنقف على أسباب العسر التعلّميّ وظواهره، كما سنقف على كيفية تشخيصه، وعلى المبدأ المبنيّة عليه خطوات العلاج. سنقف على خصوصيّات العسر التعلّميّ عند الأطفال العرب، وعلى مميّزات تطوّر القدرات الذهنية وارتباطها بالتطوّر الدماغيّ. سنقف على الأعراض الطبيعية وعلى الأعراض غير الطبيعية للعسر التعلّميّ في سنّ الطفولة. ستجري عملية إرشاد للأهل وللمربّين لهدف التشخيص الأوّليّ للعسر التعلّميّ، كما سنقوم بإيراد أمثلة على حالات معيّنة شُخِّصت وتعالَج في "الرازي" لهدف التوضيح.

وإنّنا نرحّب ونطمح من خلال هذه السلسلة إلى سماع رأي المختصّين المختلفين والجمهور، ما سيساعد على التقدّم المهْنيّ السريع في هذا المجال.

 

 

·        ما هو العسر التعلّميّ؟

 

 

 

 

العسر التعلّميّ هو إشكال في استيعاب واستغلال وممارسة المهارات الأوّلية (التركيز والانتباه، الاستيعاب، التذكّر، اللغة والكلام، التفكير، المجال الحركيّ الإراديّ، التوافق السمعيّ - الحركيّ والبصريّ - الحركيّ، بالإضافة إلى كثرة الحركة والاضطرابات في القدرة على التخطيط وفي السيطرة والمراقبة الذاتيتين). الاضطرابات العينيّة قد تنعكس، لاحقًا، في الأداء التعلّميّ - المدرسيّ لدى الطالب، من خلال ظواهر تتضمّن فهم واستعمال اللغة المكتوبة أو المنطوقة، وتُقسم إلى عسر القراءة - ديسلكسيا؛ عسر الكتابه - ديسچرافيا؛ والعسر في حلّ مسائل حسابية بسيطة - ديسكلكوليا. وتعود الاضطرابات المذكورة إلى أسباب عضوية؛ وعادةً ما يكون مثل هؤلاء الطلاّب ذوي قدرات عقلية عادية أو حتى متفوقة؛ فهناك مجموعة لا بأس بها من الأشخاص الذين حقّقوا شهرة عالمية بفضل إبداعاتهم ونشاطاتهم وقدراتهم المتفوّقة، رغم كونهم ذوي عسر تعلّميّ، نذكر منهم - على سبيل المثال - عالم الفيزياء، ألبرت أينشتاين؛ المخترع، توماس أديسون؛ رئيس الولايات المتحدة، وودرو ويلسون؛ الرسام، ليوناردو داڤينشي؛ رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل؛ وغيرهم.

 

ونحن إذ ما نظرنا إلى التطور العامّ لهؤلاء الأطفال، فكثيرًا ما نرى تأخّرًا في تطور مجالات معيّنة - في المجال الحركيّ أو الكلاميّ أو في كليهما؛ وقد نجد أنّ الطفل قد عانى أمراضًا صعبة في فترة الطفولة المبكّرة، أو أنّ أمّه عانت مرضًا شديدًا في فترة حملها (له). وعند قسم من هؤلاء الأطفال تكون هناك مؤشّرات إلى وجود عسر تعلّميّ لدى الوالدين.

 

 

 

 

 

ما هي أسباب العسر التعلّميّ؟

 

 

·        يُجمِع المختصّون على أنّ العسر التعلّميّ هو حصيلة نهائية لعوامل وأسباب تمّ الإجماع على أنّها تؤدّي إلى العسر التعلّميّ:

 

 

 

 

1.     أسباب بيولوجية عضوية:

 

 

 

 

تشمل إصابات عينيّة في الدماغ قد تكون: (أ) في مرحلة تكوّن الجنين؛ وذلك لسبب إشكالات في فترة الحمل؛ مثل تناول العقاقير، التدخين، أو إشكالات في تغذية الجنين. (ب) في عملية الولادة - ولادة غير طبيعية؛ مثل حدوث نقص في الأوكسجين عند الولادة. (ج) صعوبات وإشكالات في الطفولة المبكّرة: تسمّم، التهاب السحايا، التهاب الخلايا الدماغية، أو إصابات خارجية مباشرة للرأس.

 

فقد تؤثّر هذه العوامل بشكل مباشر في القدرات وفي الأداء الوظيفيّ لدى الطفل؛ حيث نرى هبوطًا عامًّا أو خاصًّا في فترة دخول الطفل إلى المدرسة؛ أي أنّ الإصابة الدماغية كانت بسيطة إلى درجة أنّها لم تؤثّر بشكل فوريّ على الأداء؛ ومن هنا جاءت تسمية "الخلل الدماغيّ البسيط"(minimal brain dysfunction – mbd)

 

 

2.     أسباب وراثية:

 

 

 

 

أجري الكثير من الدراسات حول دور الوراثة في ظهور العسر التعلّميّ لدى الأطفال؛ حيث ظهر أنّه في حال وجود طفل ذي عسر تعلّميّ، فإنّ احتمال ولادة طفل (أخ) يعاني المشكلة نفسها وارد بنسبة 40%؛ كما أنّه في حال ظهور طفل ذي عسر في القراءة (ديسلكسيا) فإنّ احتمال أن يكون الأب يعاني المشكلة نفسها يساوي ثمانية أضعاف ما هو عليه في الحالات العادية. هذا ويقوم المختصّون بمحاولة تحديد موقع الموروثة المعنيّة، ويجري الحديث، أساسًا، عن خلل في الكروموزوم رقْم 7.

 

 

 

 

3. العوامل البيئية:

 

 

المقصود بها هو كلّ تأثير خارجيّ في التطور النفسيّ والعقليّ لدى الطفل. وهذا التأثير الخارجيّ من الممكن أن يكون فقرًا ومحدودية في حوافز عينيّة في سنّ الطفولة المبكّرة، أو ناتجًا عن طرق تعليمية غير صحيحة ولا تتلاءم وقدرات الطفل، أو لسبب إهمال الحاجات الأساسية؛ الفسيولوجية - النفسية، للطفل؛ من خلال عدم نيل العناية الطبية، انعدام التغذية السليمة، عدم مشاركته أحاسيسه، وعدم رفع ثقته بنفسه. كما أنّه من الممكن أن يقتصر التأثير البيئيّ على عدم فهم التطور الفرديّ المختلف لكلّ طفل، أو إجباره على استعمال يد من دون الأخرى، مثلاً؛ فهناك الكثير من الحالات التي يجبر فيها الأهل الطفل الذي يُظهر سيطرة بيده اليسرى، على استعمال اليد اليمنى، من دون أن يعُوا أو يُدركوا أنّ السيطرة الأساسية هي دماغية، وأنّه في حال التدخّل فيها ومحاولة تغييرها، إنّما يكون تأثير ذلك، حتمًا، سلبيًّا، وقد يظهر مباشرة أو لاحقًا، وليس في الأداء الحركيّ، المعرفيّ، والوظيفيّ، فحسْب، إنّما، أيضًا، في المجال العاطفيّ النفسيّ العامّ.

 

 

 

 

بوُدّي أن أذكر حادثة تظهر فيها أهمية تأثير البيئة في تطور الطفل العامّ، وكيفية التأثير في الأداء الوظيفيّ في حال التركيز على جزء معيّن من الحوافز الأخرى:

 

سنة 1970 تمّ العثور على فتاة تبلغ الثالثة عشرة من العمر في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، محجوزة في غرفة مغلقة، مقيّدة وممنوعة من مغادرة الغرفة نهائيًّا. كان احتجزها أبوها - المريض نفسيًّا - منذ أن بلغت العشرين شهرًا. هذه الفتاة لم تعرف من الغذاء سوى الحليب وطعام الأطفال. وعندما عثر عليها الناس،لم تستطع ولم تعرف حتى مضغ الطعام الذي قُدّم لها (لم تتطور هذه القدرة/العادة/الوظيفة لديها)، كمالم تستطع مدّ يدها أو رجلها بشكل مستقيم،لم تفهم الكلام ولم تستطع النطق.

مع هذه الفتاة بدأ يعمل طاقم تأهيل، بإشراف الاختصاصيّ النفسيّ، كيرتس. وعلى مدى ستّ سنوات استطاعت الفتاة تعلّم بعض العادات؛ فقد بدأت تفهم بعض التعليمات البسيطة، بدأت تتكلم كطفل ابن سنتين أو ثلاث سنوات: "بِدّو حليب"، "اثنين إيد".

استطاعت التعلّم والتمرّن على استعمال أدوات مثل القلم للرسم، واستطاعت - في بعض الحالات - فهم الرابط السببيّ - النتيجيّ. ولاحقًا، لم يستمرّ تطورها اللغويّ، وظلّ على ما هو عليه، ملائمًا لسنّ سنتين.

ما قد حصل هو عدم تطور الدماغ بشكل كافٍ لسبب نقص وحتى انعدام الحوافز البيئية - الثقافية - الاجتماعية. وبما أنّ الحديث عن فتاة عمرها ثلاثة عشر عامًا، فقد انتهى لديها تكوّن وتطور الأجزاء الدماغية المسؤولة - بشكل مباشر - عن اللغة، التذكّر، الاستيعاب، التفكير، والحركات الدقيقة في مواضعها المحدّدة، في نصفي الدماغ كليهما.

ما يجدر التأكيد عليه هنا، هو أنّ العامل الأساسيّ والأوّليّ لحالات العسر التعلّميّ هو عامل عضويّ - بيولوجيّ ووراثيّ، في حين أنّ العوامل البيئية لها دور ثانويّ كبير في زيادة هذه الصعوبات أو في التخفيف من حدّتها.